آيات من الكتاب
أَنَا أَنَا الرَّبُّ، وَلَيْسَ غَيْرِي مُخَلِّصٌ | أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ |
30/06/2016 - 11:24:27 am
نصيحة
النهار 27 حزيران 2016

نصيحة

جمانة حداد

النهار 27  حزيران 2016

أعيش في قلب العالم، تحت شمس الصخب،

بين مسؤوليات الأمومة، ومسؤوليات العمل، ومسؤوليات الكتابة،

متنقلةً في جهات العالم الأربع،

سفراً بالطائرة، وعبر الانترنت، وفي أعماق العقل،

وأسئلته، ومشاغله، وتحدياته، واستفزازته، والى ما لا نهاية.

هذا ما أفعله كل يوم.

وأنا أفعل هذا باندفاع كلّي، وبشهوة، وبحبّ، وبحواسي كلّها،

وبرغبةٍ هائلة في النجاح، وإحراز التقدم،

وبدون توقف، ولا انقطاع، ولا ضجر.

ولكن، إذ أجدني في غمرة هذا الارتماء اليومي، المتدافع واللامحدود، في قلب العالم،

أجدني أيضاً، في إغماضة عين، مقيمةً في المكان المضاد:

الاستقالة الكاملة من كل شيء، لألتقي ذاتي، وحياتي الداخلية، وحريتي السرية،

حيث الصمت العظيم الذي يخاطب روحي، ويحتضن كياني، وحواسي،

بعيداً من كل ما يربطني بهواجس الحياة اليومية، وبالزمن الخارجي، وبالمكان.

هكذا أستقيل من الايقاع العملاني القاتل لأحيا حياةً ثانية، موازية،

فكأن شخصاً آخر يقيم فيَّ، ويحتلّني،

فيجعلني أنتقل الى عالمي الداخلي، الى وجودي الثاني،

لآنصت الى مسؤولياتي الشعرية، النفسية، والجسدية، والعقلية،

والى "أسفاري" التي لا تذهب الى مكان محدد ومعروف،

ولكن الى كلّ الامكنة، بل والى الأزمنة كلّها.

هذه الحقيقة هي التي تعطيني القدرة على عيش الحياة بجوارحي كلّها،

بما فيها من أشغال شاقة، وبما فيها من هرب.

هكذا أتمكن من ربح حياتي هذه،

ومن فهم أسرار التوازن التي تجعلني أغرق في حياتي الأولى،

وفي حياتي الثانية، بكلّ ما أملك من استسلام.

وبحبٍّ كامل.

هذه "الازدواجية" المظنونة في حياتي،

هي التي تنقذني من الأمر الواقع اليومي،

الذي هو الحياة الملموسة واليومية، بموجباتها ومسؤولياتها.

وهي التي تعطيني أن أفرح بالحياة،

وأن أعيشها برقّة النسمة وهشاشة الغيمة،

وأن أواجهها في الآن نفسه بصلابة الجبال.

وقد لا أحتاج أن "أسافر" بعيداً في المكان.

فقد "أسافر" في مكاني هذا، حيث أنا أقيم في الواقع.

إذ ثمة في هذا المكان "الضيّق"، رحابةٌ لامتناهية،

عقلية وروحية، وزمنية، ولا حدود.

وثمة علوّ، وعمقٌ، وذهابٌ، وإيابٌ،

وليلٌ، وقمرٌ، ونسيانٌ، وتذكّرٌ، وولادةٌ، وفصولٌ، وهلوساتٌ،

وهدوءٌ، وصمتٌ، ووشوشاتٌ، ونقاهةٌ عظيمة،

وأمكنةٌ مكتشَفة، داخل الذات، وفي العالم،

وهذه كلّها تعطيني أن أكون امرأةً ثانية،

هي نفسها المرأة الأولى.

أعود لأقول: إنه السفر داخل الذات، على متن بساط الريح

الذي في عقلي، والذي يجعلني في الحرية الكاملة.

إنه لمكانٌ ضيّقٌ لامتناهٍ.

هذا المكان، على ضيقه،

لا تستطيع حياةٌ قصيرةٌ كهذه، أن تستنفده،

ولا أن تضجر منه.

نصيحة: سافِروا اليه.

joumana.haddad@annahar.com.lb

Twitter: @joumana333

الاسم الكامل :
مكان الاقامة :
التعليق :
هام جدا : ادارة الموقع تحتفظ لنفسها الحق لالغاء التعليق او حذف بعض الكلمات منه في حال كانت المشاركة غير اخلاقية ولا تتماشى مع شروط الاستعمال. نرجو منكم الحفاظ على مستوى مشاركة رفيع.
تصويت
Copyright © dmgmorg.net 2012-2017 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع دير الملاك جبرائيل
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت