آيات من الكتاب
أَنَا أَنَا الرَّبُّ، وَلَيْسَ غَيْرِي مُخَلِّصٌ | أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ |
13/10/2014 - 09:19:17 pm
النموالروحي ملازم للنمو البيولوجي... مسار ومسيرة!!!

النموالروحي ملازم للنمو البيولوجي... مسار ومسيرة!!!

الأب شاهين ريشا الكرملي

روما / أليتيا (aleteia.org/ar)

النموّ كلمة مستقاة من الحياة الطبيعية. كل كائن حيّ يولد ويكبر ويبلغ قامته الملائمة لطبيعته الأصلية، ولا يستطيع الكائن الحيّ أن يسرّع نموّه اصطناعيّاً. بل إنه يخضع لناموس الزمن، والزمن، أو الدورة السنوية للفصول، أو دورة الأرض حول الشمس، كفيلة بإعطاء كل كائن حيّ مادي، الظروف والأطر الحسيّة الملائمة لنموّه.

كذلك الإنسان يخضع في عناصر عدة من كيانه إلى هذا الناموس الكوني : فالنمو البيولوجي ملازم العمر، ويكيّف النمو النفسي. فهل يرتبط بهما النمو الروحي؟ جوابنا منذ البدء هو نعم، ولذلك علامات:

إن وحدة الشخص الإنساني تفترض أن يحصل بين سائر عناصر الإنسان، خاصة البيولوجية والنفسية والروحية تجانس وتناغم؛ وإلاّ وقع الإنسان الفرد في ازدواجية نفسية أوصلته إلى حالة مرضية.

كما أن النمو البيولوجي والنفسي مرتبطان ببطء الزمن وتدرجه عبر السنوات، كذلك يفترض أن يتدرّج النمو الروحي عبر السنوات، ولا يحصل نضوج روحي قبل عمر معيّن أو بعد مضي مدة معيّنة من بدء الحياة الروحية.

وبما أن مفهوم الروح في الإنسان ينمو مع المادة ويستقل عنها، فليس من المستحيل إذاً أن يحصل نضوج روحي قبل وقته. لأن روح الإنسان، وإن بدأ مع المادة، لا ينتهي بها ولا ينحصر فيها بل نؤمن بأنه يتخطّى المادة.

وأهم الأسباب التي تحتم النمو الروحي وتدرّجه عبر ثقل الطبيعة البشرية هو حقيقة التجسّد. فرغم أن الخلاص كان بوسعه أن يتم في ملء الأزمنة وسرعة الأزلية، إلاّ أن الله اختار المادة صورة للتجسد. فلا يعقل أن ينمو الرأس بالحكمة والسن والنعمة، ولا يكون هذا النمو قاعدة لمشاركة المؤمن في حياة الإبن. ولنا على ذلك شواهد، في مثل يسوع المسيح، وأمثاله وحياة بولس الرسول ونمو الكنيسة.

شواهد على النمو الروحي

مثل يسوع المسيح: يقول لوقا في انجيله مختصراً ثلاثين سنة من حياة يسوع، "انه كان ينمو في الحكمة والسن والنعمة أمام الله والناس"(لوقا 2،52).

ينمو في الحكمة: في الحكمة كلمة مرتبطة بعقل الإنسان ووظائفه الأصلية في جمع المعارف وتنسيقها، وتحليلها وربط الأسباب بالنتائج. ونفهم معناها من خلال أسفار العهد القديم. إنها عقل الإنسان المؤمن الذي يكتشف أسرار معرفة الله وعلاقته بالإنسان. وقد ظهرت هذه الأعمال العقليّة كلّها في تعليم يسوع وتبشيره.

ينمو في السن: لقد صدم سر التجسّد عقلية اليهود وصار حجر عثار لهم، لأنهم انتظروا المسيح آتياً على سحاب السماء ساطعاً كالبرق، فجاءهم إنساناً عادياً خاضعاً لسنة المادة ومقياس الزمن، فالسن أو العمر هو مقياس الإنسان في الجغرافيا وفي التاريخ. وهو ارتباط الشخصية بتعاقب السنين، ليس عدداً متراكماً بل نمواً باطنياً منسّقاً. فعبر السنين ربط الله ظهوره وتجلّيه وتجسّد بتعاقب السنين ونضوجها. لذلك قيل: لما بلغ ملء الزمن، أي أن الزمن أصبح كائناً حيّاً ينمو وينضج، مدفوعاً بقوة سرّية تسري في شرايين التاريخ جيلاً بعد جيل، إلى أن بلغ قامة المسيح (أفس 13،4).

ينمو في النعمة: والنعة هي كلمة تختصر عمل الله الحيّ. لن تفهم إلاّ بعد قراءة الإنجيل وبشارة يسوع ورسائل بولس الرسول. هي عمل الله الخلاصي وتجلّيه وفعاليته في حياة الإنسان. فليس قليلاً أن يقال: إن تجلّي الله وعمله كان ينمو في يسوع، وعبر نموّه الزمني. بذلك يبدو يسوع مثالاً لأي نمو روحي.

أمثال يسوع: يسعنا التذكير بعدة أمثال ضربها يسوع ليوضح أسرار الملكوت:

مثل حبة الخردل. (متى 13، 31-32).

مثل الخميرة في العجين. (متى 33،13).

مثل الزرع الذي ينمو. (مرقس 4، 26-29).

نستنتج من هذه جميعها أن الملكوت الذي يبشر به يسوع يتميز بنمو شبيه بنمو الطبيعة المادي، وبثمار ملائمة وتحوّل يشابه تحوّل المزروعات في تقلّبها من بذار إلى نبات أو شجرة، ثم إلى موت ثم عودة إلى الحياة. فالإنسان الروحي يمر عبر هذه التحولات.

بولس الرسول: يظهر لنا بولس الرسول في اختباره الشخصي وتعليمه أن المسيحي يبدأ بالعماد حياة جديدة شبيهة بالحياة الطبيعية من حيث أنها لها بداية ومراحل نموّ وتتخللها صراع ومجد. تبدأ بالعماد وتستمر في مسيرة إيمان ورجاء ومحبة حتى تجلّي أبناء الله، وبلوغ قامة المسيح. فبعد أن وصل بولس إلى الكمال في حفظ الشريعة يبدأ مع المسيح بالإرتداد حياة مسيحية ورسولية تقوده حتى الإستشهاد في روما. ويقر قبيل استشهاده بأنه لم يصل بعد، ولكنه ينسى ما مضى ويتخطّى إلى الأمام إلى حيث المسيح. (نيلبي 12،3-16).

نمو الكنيسة: منذ أن بدأ يسوع بشارته وأسس جماعة جعلها جماعته تتبعه أينما ذهب، وتشهد لأعماله وتستمع إلى تعاليمه. إليها سلّم مفاتيح الملكوت وغذاءه. ولما قام من الموت جمعها بعد تشتتها، وعند صعوده سلّمها رسالته، ويوم العنصرة ألبسها روحه وقوته. فالخلاص سلّم إلى الكنيسة، وهي توزعه على المؤمنين. لذلك سنرى أولاً نمو الخلاص أو نمو الحياة في الكنيسة وقواعده ومراحله ثم نرى النمو الروحي في المؤمن.

الكنيسة يوم الصعود:متى 16،28-20؛ مرقس 15،16- 20؛ لوقا 44،24-49

ملاحظات: وعد يسوع تلاميذه بانتظارهم في الجليل، ولما حضروا ظهر لهم. ظهر لهم كجماعة الأحد عشر، وككنيسته. طلب إليهم أن ينتظروا موعد الآب في أورشليم، ووعده هو بإرسال الروح. كما أرسلني الآب كذلك ارسلكم : رسالة الكنيسة من رسالة يسوع.

مضمون رسالة الكنيسة: ذهاب إلى أقاصي الأرض، كل الأمم، الخليقة كلها. تلمذوا، عمّدوا، علّموا. كل الناس، كل الأمم، كل الأيام، كل الوصايا. وعد جديد : ها أنا معكم كل الأيام حتى انقضاء الدهر. اللقاء: في أعمال 11،1 : هذا الذي رفع عنكم سيعود كما رأيتموه ذاهباً إلى السماء.

بالإختصار : تلقت الكنيسة يوم الصعود رسالة واضحة: أن تؤمن بحضور الربّ معها كل الأيام وتحفظ هي كلامه فتنطلق إلى الشعوب وأقاصي الأرض وكل الأيام، فتتلمذ وتعمد وتعلّم كل الخليقة وصايا يسوع. في مسيرتها يدفعها حضور الربّ في وسطها إلى ملاقاة الرّب العائد كما ذهب.

من الصعود والعنصرة إلى انقضاء الدهر؛ نمو الكنيسة:

يصف لنا كتاب أعمال الرسل مسيرة الكنيسة في السنين الثلاثين الأولى. الرسل ينتقلون من مكان إلى آخر، ينقلون البشارة من مكان إلى آخر، يعمدون، يتلمذون، ويعلّمون، أي يتمّمون الرسالة التي أوكلها يسوع إلى كنيسته. فنرى التحولات التالية:

- تنطلق من جماعة صغيرة، ثم تضم إليها أعضاء جدداً من اليهود والوثنيين، أي من البشرية الموجودة قبلها. فتكبر بهم، وتختبر حضور الربّ في وسطها بالمعجزات وتدفق المؤمنين عليها. هنا أيضاً نستطيع تمييز نوعين من الولادة: ولادة جماهرية على طريقة بطرس وولادة يتيمة على طريقة بولس في آسيا الصغرى وبلاد اليونان.

- لكنها بدت بعد وقت وجيز كمن يبتلع ابتلاعاً دون هضم. فبدأت أزمة بين الشعبين اليهودي والوثنيين، ثم قصة الشريعة والختان للوثنيين. لقد جمعت الكنيسة في وسطها عناصر غير متجانسة، فاضطرت إلى ابتداع حل لكل أزمة، بالفصل بين خدمة الكلمة وخدمة الموائد؛ وضرورة تبشير الوثنيين (عنصرة كورتيليوس) وضرورة وحدة المسؤولين، لقاء بطرس وبولس (كي لا أكون قد تعبت سدى)، وفهم أعمق لسر الخلاص بالإيمان بالمسيح لا بالشريعة.

- بعد الإضطهاد اليهودي والتشتت المسيحي واليهودي، وخسارة الهيكل والذبائح، ظهرت كتابات الرسل تحرّض المؤمنين على الثبات في الإيمان.

- ظهور الهراطقة والمرتدّين والمتطاولين على صلاحيات الرسل، استدعي ارسال سفراء أو كتابة وسائل توضيحية أو تعليمية.

في هذه الحقبة القصيرة من التاريخ، نجد الكنيسة تجتاز أزمات قاسية، وتبتدع لكل منها حلا لم يكن مذكوراً في الرسالة الأولى؛ بل إنها في كل أزمة رزقت اندفاعاً أقوى للإنطلاق إلى مدى أبعد في رسالتها (رحلات بولس التبشيرية).

ولم تكن هذه الحقبة إلاّ البداية. فإن تابعنا مسيرة الكنيسة في هذه الأماكن نفسها بعد قرنين أو ثلاثة، نرى الفرق الشاسع والنمو السريع رغم الإضطهاد والشهداء، وعوامل الهرطقات والتشرذم.

الاسم الكامل :
مكان الاقامة :
التعليق :
هام جدا : ادارة الموقع تحتفظ لنفسها الحق لالغاء التعليق او حذف بعض الكلمات منه في حال كانت المشاركة غير اخلاقية ولا تتماشى مع شروط الاستعمال. نرجو منكم الحفاظ على مستوى مشاركة رفيع.
تصويت
Copyright © dmgmorg.net 2012-2017 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع دير الملاك جبرائيل
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت