آيات من الكتاب
أَنَا أَنَا الرَّبُّ، وَلَيْسَ غَيْرِي مُخَلِّصٌ | أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ |
07/01/2012 - 04:51:37 pm
الصلاة تجاه عمل الله المُنعم الشافي

 

الصلاة تجاه عمل الله المُنعم الشافي 

تعليم 14 ديسمبر (كانون الأول) 2011

إخوتي وأخواتي الأعزّاء،

أودّ اليوم أن أتأمّل معكم في صلاة يسوع المرتبطة بعمله الشافي العجيب. فقد عُرضت في الأناجيل حالات مختلفة يصلّي فيها يسوع أمام عمل الله الآب المُنعِم الشافي، الذي يعمل من خلاله هو. يتعلّق الأمر بصلاة تُظهر، مرّةً أخرى، العلاقة الفريدة في المعرفة والشراكة مع الآب، فيما ينجرف يسوع بمشاركة إنسانيّة كبيرة في ضيق أصدقائه، على سبيل المثال في حالة لعازر وأسرته، أو العديد من الفقراء والمرضى الذين يريد مساعدتهم بشكلٍ محسوس.

وإحدى الحالات ذات المغزى هي شفاء الأصمّ الأخرس (راجع مرقس 7، 32-37). تُظهر رواية الإنجيليّ مرقس – التي سمعناها للتوّ – أنّ عمل يسوع الشافي يرتبط بعلاقته العميقة سواء مع القريب - المريض -، أو مع الآب. ويأتي وصف مشهد المعجزة بعناية في هذا الشكل: «فأخذهُ على انفراد بعيدًا عن الجمع، ووضع إصبعيه في أذنيه، وتفلَ ولمس لسانه. ورفع نظره إلى السماء، وتنهَّد وقال له: "إفَّتَح، أي انفَتِح» (7، 33-34). يريد يسوع أن يجري الشفاء «على انفراد بعيدًا عن الجمع». لا يبدو هذا الأمر ناجمًا فقط عن وجوب بقاء المعجزة محجوبة عن الناس لتجنّب تفسيرات محدودة أو غير دقيقة حول شخص يسوع. إذ جعل خيار أخذ المريض على انفراد، وقتَ الشفاء، يسوع والأصمّ الأخرس يتواجدان لوحدهما، تقرّب بينهما علاقة فريدة. وبحركة منه، يلمس الربّ أذني المريض ولسانه، أي مواضع عاهته المحدّدة. تتجلّى شدّة عناية يسوع أيضًا في سمات الشفاء غير العاديّة: فهو يستخدم أصابعه وحتّى لُعابه. وحقيقة أن ينقل الإنجيلي مرقس الكلمة الأصليّة التي تلفّظ بها الربّ – «إفَّتَح» أي «انفتح!» - تُبرز طابع المشهد الفريد.

لكنّ النقطة الجوهريّة في هذه الحادثة هو حقيقة أنّ يسوع يبحث مباشرةً عن علاقته بالآب عندما يقوم بالشفاء. تقول الرواية في الواقع إنّه «رفع نظره إلى السماء، وتنهَّد» (الآية 34). يرتبط الاهتمام بالمريض وعناية يسوع به بموقف عميق في الصلاة الموجّهة إلى الله. ويوصف انبعاث التنهّد بفعل يدلّ في العهد الجديد على التطلّع إلى شيء جيّد لا يزال غائبًا (راجع روما 8، 23). تبيِّن الرواية بأكملها إذًا أنّ المشاركة الإنسانيّة مع المريض تحمل يسوع على الصلاة. وتَظهر مرّةً أخرى علاقتُه الفريدة بالآب، وهويّته كابن وحيد. ففيه ومن خلال شخصه، يصبح فعل الله الشافي والمُنعِم حاضرًا. ليس من قبيل المصادفة أن يذكِّر تعليق الناس الختاميّ بعد المعجزة بتقييم الخلق في بداية سفر التكوين: «لقد أحسنَ في كلّ ما صنع!» (مرقس 7، 37). وفي عمل يسوع الشافي تدخل الصلاة بشكلٍ واضح، في رفع نظره إلى السماء. إنّ القوّة التي شَفَت الأصمّ الأخرس ناجمة بالتأكيد عن التعاطف معه، ولكنّها تأتي من جرّاء التوجّه إلى الآب. تلتقي هاتان العلاقتان: العلاقة الإنسانيّة في التعاطف مع الإنسان، التي تدخل في علاقة مع الله، فتصبح بالتالي شفاءً.

في رواية يوحنّا حول قيامة لعازر تتجلّى هذه الديناميّة ذاتها بوضوح أكبر (راجع يوحنّا 11، 1-44). فهنا أيضًا تتضافر، من جهة، علاقة يسوع بصديق ومع معاناته، ومن جهة أخرى، العلاقة البنويّة التي تربطه بالآب. لمشاركة يسوع الإنسانيّة في حادثة لعازر سمات خاصّة. فقد ذُكرت طوال السرد صداقته به مرارًا، وكذلك مع مرتا ومريم أختيه. أكّد يسوع بنفسه: «لعازر صديقنا راقد؛ لكنّي ذاهب لأوقظه» (يوحنّا 11؛ 11). يبدو العطف الصادق تجاه صديقه جليًّا أيضًا في أختَي لعازر، كذلك لدى اليهود (راجع يوحنّا 11، 3؛ 11، 36)، ويظهر هذا في تأثّر يسوع العميق لدى رؤية ألم مرتا ومريم وجميع أصدقاء لعازر ويؤدّي إلى إجهاشه في البكاء - الإنسانيّ للغاية- لدى اقترابه من القبر: «فلمّا رآها يسوع تبكي، واليهود الآتين معها يبكون، ارتعش بالروح واضطرب. ثمّ قال: "أين وضعتموه؟”. قالوا له: "يا ربّ، تعال وانظر”. فدمعت عينا يسوع» (يوحنّا 11، 33-35).

ترتبط في كلّ الرواية علاقةُ الصداقة هذه ومشاركةُ يسوع وتأثُّره أمام ألم أقارب لعازر وأصدقائه، بعلاقة مستمرّة وعميقة بالآب. منذ البداية، يقرأ يسوع هذا الحدث في علاقته بهويّته ورسالته، وبالتمجيد الذي ينتظره. فهو يعلِّق بهذا الشكل عند سماعه نبأ مرض لعازر: «هذا المرض ليس للموت، بل لمجد الله، ليُمجَّد به ابن الله» (يوحنّا 11، 4). يقتبل يسوع أيضًا الإعلان عن موت صديقه بمعاناة إنسانيّة عميقة، ولكن دومًا في إشارة واضحة إلى العلاقة مع الله والمهمّة التي أوكلها إليه؛ يقول: «لعازر مات! وأنا أفرح من أجلكم بأنّي ما كنت هناك، لكي تؤمنوا» (يوحنّا 11، 14-15). تمثِّل لحظة صلاة يسوع الجليّة إلى الآب أمام القبر، المتنفَّس الطبيعيّ للواقعة برمّتها، الممتدّة على هذا المسار المزدوج بين الصداقة مع لعازر والعلاقة البنويّة مع الله. تسير العلاقتان معًا هنا أيضًا. «ورفع يسوع عينيه إلى فوق، وقال: "يا أبتِ، أشكركَ لأنّك استجبتني!”» (يوحنّا 11، 41): إنّها إفخارستيّا. تكشف هذه الجملة أنّ يسوع لم يترك حتّى للحظة واحدة صلاة الطلبة لحياة لعازر. هذه الصلاة واصلت، لا بل عزَّزت، صلته بالصديق، وفي الوقت نفسه، ثبَّتت قرار يسوع في البقاء بشراكة مع مشيئة الآب، مع مشروع محبّته، الذي يُعتبَر فيه مرضُ لعازر وموته المكان الذي يَظهر فيه مجدُ الله.

إخوتي وأخواتي الأعزّاء، كلّ واحدٍ منّا مدعوٌّ، ونحن نقرأ هذه الرواية، لأن يفهم أنّه لا ينبغي علينا في صلاة الطلب من الربّ أن نتوقّع تحقيقًا فوريًّا لما نطلبه، لإرادتنا، بل أن نعتمد بدلاً من ذلك على مشيئة الآب، قارئين كلّ حدث من منظور مجده، ومشروع محبّته، الغامض على أعيننا في كثير من الأحيان. لهذا السبب، فإنّ الطلب والحمد والشكر في صلاتنا يجب أن تندمج سويّةً، حتّى عندما يبدو لنا أنّ الله لا يستجيب لتوقّعاتنا المحسوسة. فالاستسلام لمحبّة الله، الذي يسبقنا ويرافقنا دائمًا، هو أحد المواقف الأساسيّة لحوارنا معه. والتعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة يعلِّق بهذا الشكل على صلاة يسوع في رواية قيامة لعازر: «وهكذا، فصلاة يسوع، التي يحملها الشكر، تكشف لنا عن كيفيّة الطلب: فقبل أن تُعطى العطيّة يلتصق يسوع بمَن يُعطي، ويُعطي ذاته في عطاياه. فالمعطي أنفس من العطيّة الموهوبة. إنّه "الكنز”، وفيه يوجد قلب الابن؛ والعطيّة مُعطاة "بزيادة” (راجع متّى 6،21 و 6، 33)» (2604). يبدو لي هذا هامًّا جدًّا: قبل أن تُعطى العطيّة، الالتصاق بمَن يعطي؛ المُعطي أثمن من العطيّة. بالنسبة لنا أيضًا، إذًا، وبغضّ النظر عمّا يعطينا الله إيّاه عندما نبتهل إليه، فإنّ العطيّة الأعظم التي يمكن أن يعطينا إيّاها هي صداقته، وجوده، ومحبّته. إنه الكنز الثمين الذي يجدر طلبه والحفاظ عليه دومًا.

تُقدِّم بعد ذلك الصلاة التي تلفّظ بها يسوع فيما كان يُرفع الحجر عن باب قبر لعازر تطوّرًا فريدًا من نوعه وغير متوقّع. فقد أضاف بعد أن شكر الله الآب: «وأنا كنت أعلم أنّك دائمًا تستجيبني، إنّما قلتُ هذا من أجل الجمع الواقف حولي، ليؤمنوا أنّك أنتَ أرسلتني» (يوحنّا 11، 42). يريد يسوع بصلاته أن يقود إلى الإيمان، وإلى الثقة الكاملة في الله وفي مشيئته، ويريد أن يُظهر أنّ هذا الإله قد أحبّ الإنسان والعالم لدرجة أنّه أرسل ابنه الوحيد (راجع يوحنّا 3، 16)، إنّه إله الحياة، الإله الذي يجلب الأمل وهو قادر على قلب الأوضاع التي تبدو مستحيلة إنسانيًّا. صلاة المؤمن الواثقة، إذن، هي شهادة حيّة لوجود الله في العالم، واهتمامه بالإنسان، وعمله لتحقيق مشروعه الخلاصي.

تكشف صلاتا يسوع اللتان تأمّلنا بهما الآن، ورافقتا شفاء الأصمّ الأبكم وقيامة لعازر، عن أنّ الصلة العميقة بين محبّة الله ومحبّة القريب يجب أن تدخل أيضًا في صلاتنا. ففي يسوع، الإله الحقّ والإنسان الحقّ، تدفعه العناية بالآخر، خاصّةً إذا كان محتاجًا ومتألِّمًا، والتأثّر أمام ألم عائلة صديقه، للتوجّه إلى الآب، في تلك العلاقة الأساسيّة التي تقود كلّ حياته. لكنّ العكس صحيحٌ أيضًا: الشراكة مع الآب، الحوار المستمرّ معه، تدفع يسوع لأن يكون متنبِّهًا بشكلٍ فريد لأوضاع الإنسان الواقعيّة ليحمل إليه المؤاساة ومحبّة الله. فالعلاقة مع الإنسان تقودنا نحو العلاقة مع الله، والعلاقة مع الله تقودنا مجدّدًا نحو القريب.

إخوتي وأخواتي الأعزّاء، إنّ صلاتنا تفتح الباب لله، وتعلِّمنا أن نخرج باستمرار من ذواتنا لنتمكّن من أن نكون قريبين من الآخرين، لا سيّما في أوقات الضيق، فنعطيهم العزاء والأمل والنور. فليمنحنا الربّ أن نكون قادرين على صلاة أكثر فأكثر عمقًا، لتقوية علاقتنا الشخصيّة مع الله الأب، وأن يوسِّع قلوبنا على احتياجات الذين من حولنا فنشعر بجمال كوننا «أبناءً في الابن» إلى جانب إخوة كثيرين. وشكرًا.

 

الاسم الكامل :
مكان الاقامة :
التعليق :
هام جدا : ادارة الموقع تحتفظ لنفسها الحق لالغاء التعليق او حذف بعض الكلمات منه في حال كانت المشاركة غير اخلاقية ولا تتماشى مع شروط الاستعمال. نرجو منكم الحفاظ على مستوى مشاركة رفيع.
تصويت
Copyright © dmgmorg.net 2012-2019 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع دير الملاك جبرائيل
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت