آيات من الكتاب
أَنَا أَنَا الرَّبُّ، وَلَيْسَ غَيْرِي مُخَلِّصٌ | أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ |
25/03/2012 - 06:39:00 pm
في مدرسة صلاة مريم
ZENIT

"في مدرسة صلاة مريم"

روما، الخميس 15 مارس 2012 (ZENIT.org)

ننشر في ما يلي التعليم الذي تلاه قداسة البابا بندكتس السادس عشر في قاعة بولس السادس في الفاتيكان، نهار الأربعاء 14 مارس 2012. نقلته من الفرنسية إلى العربية كريستل روحانا

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء،

أرغب بأن أستهلّ تعليم اليوم بالكلام عن الصلاة

التي تمّ ذكرها في أعمال الرسل وفي رسائل القديس بولس.

نعلم أنّ القديس لوقا قد كتب أحد الأناجيل الأربع المكرّسة لحياة يسوع الأرضية.

ولكنّه ترك لنا أيضاً ما يُعرف بالكتاب الأوّل حول تاريخ الكنيسة، أي أعمال الرسل.

وتُعتبر الصلاة بالتحديد أحد العناصر المتكررة في هذين الكتابين؛

صلاة مريم وصلاة كلّ من التلاميذ والنسوة والجماعة المسيحية.

وكان عمل الروح القدس ما يضبط إيقاع مسار الكنيسة الأولى

من خلال تحويل الرسل إلى شهود للمسيح القائم من بين الأموات حتى ساعة موتهم،

والانتشار السريع لكلمة الله في الشرق والغرب.

ولكن قبل إعلان بشارة الإنجيل،

ينقل القديس لوقا حدث صعود المسيح القائم من بين الأموات (راجع أع 1، 6- 9).

ويعطي الرب تلاميذه برنامج وجودهم المكرّس للبشارة فيقول لهم:

"ولكن الروح القدس ينزل عليكم فتنالون قدرة

وتكونون لي شهوداً في أورشليم وكل اليهودية والسامرة، حتى أقاصي الأرض" (أع 1، 8).

وفي أورشليم، يجتمع الرسل الذين بات عددهم 11 بعد خيانة يهوذا الإسخريوطي للمسيح

في العلية للصلاة، وقد انتظروا من خلال الصلاة بالتحديد

نيل القدرة التي وعدهم بها المسيح القائم من بين الأموات، أي الروح القدس.

وفي إطار الانتظار، بين الصعود والعنصرة،

يذكر القديس لوقا للمرة الأخيرة مريم أم يسوع وذويه (لو 1، 14).

وقد خصص لوقا بدايات إنجيله للعذراء مريم،

بدءاً ببشارة الملاك مروراً بالميلاد فوصولاً إلى طفولة ابن الله الذي صار بشراً.

ومع مريم، تبدأ حياة يسوع على الأرض،

ومعها تبدأ الخطوات الأولى للكنيسة؛

وفي هذين الأوانين، كانت العذراء في حالة تأمل وإصغاء إلى الله.

أرغب إذاً بالتوقف عند هذا الحضور المصلّي للعذراء مريم ضمن جماعة الرسل

الذين سيؤسسون الكنيسة الأولى.

رافقت مريم بتواضع درب ابنها طوال حياته العلنية وحتى أقدام الصليب،

كما تابعت بصمت خطوات الكنيسة.

عند البشارة في بيت الناصرة، استقبلت مريم ملاك الرب

وأصغت بانتباه إلى كلماته وقبلتها مستجيبةً إلى المشروع الإلهي،

ومظهرةً جهوزيتها الكاملة: "ها أنا أمة الرب، فليكن لي بحسب قولك" (لو 1، 38).

وموقف الإصغاء الداخلي هذا بالتحديد قد مكّن مريم من قراءة تاريخها الخاص

والاعتراف بتواضع بأنّه عمل الرب.

وأثناء زيارتها لنسيبتها أليصابات، ابتهجت بصلاة تسبيح وفرح واحتفال

بالنعمة الإلهية التي ملأت قلبها وحياتها، جاعلة منها أماً للرب (راجع لو 1، 46- 55).

تسبيح وشكر وفرح: في نشيد التعظيم (Magnificat)،

لم تعد مريم تنظر فقط إلى الأمور التي صنعها الله إليها،

بل بما صنعه ويصنعه على مدى التاريخ.

ويدعو القديس أمبروسيوس في تعليق شهير حول نشيد التعظيم إلى الصلاة بروح واحدة، فيقول:

"لتكن نفس مريم في كل بشر لكي يعظم الرب،

 وليكن روح مريم في كل إنسان لكي يبتهج بالله".

(راجع Expositio Evangelii secundum Lucam 2, 26 : PL 15, 1561).

وكذلك في العلية بأورشليم التي كان التلاميذ "يقيمون فيها" ( أع 1، 13)،

كانت مريم حاضرة في حالة من الإصغاء والصلاة،

قبل أن تنفتح الأبواب على مصراعيها ويبدأ التلاميذ إعلان بشارة الرب المسيح لجميع الأمم،

وتعليم الشعوب جميعاً أن يحفظوا ما أوصاهم به (راجع مت 28، 19- 20).

ومن بيت الناصرة إلى علية أورشليم، مروراً بالصليب التي أوصاها ابنها المصلوب بيوحنا الرسول،

تميّزت مراحل درب مريم بقدرتها بالمحافظة المثابِرة على حالة التأمل بصمت بالأمور في حضرة الله،

وحفظها في قلبها (راجع لو 2، 19- 51)، كي تتمكّن من فهم مشئية الرب وقبولها بينها وبين نفسها.

وحضور أمّ الله مع الأحد عشر بعد الصعود ليس إذاً ملاحظة تاريخية حول حدث مضى،

بل إنّه يكتنز معنى قيماً جداً، لأنّ العذراء مريم شاركت التلاميذ ما هو أثمن:

الذكرى الحية للمسيح في الصلاة.

ومريم تشارك أيضاً ابنها يسوع في إحدى رسائله:

الحفاظ على ذكرى يسوع وبالتالي الحفاظ على حضوره الدائم.

أمّا الإشارة الأخيرة إلى مريم في نصّي القديس لوقا، فترتبط بيوم السبت:

إنّه اليوم الذي استراح فيه الله بعد الخلق، ويوم الصمت بعد موت المسيح وبانتظار قيامته.

وفي هذا الفصل بالتحديد، يتجذّر تقليد تكريم مريم العذراء يوم السبت.

وبين صعود المسيح القائم من بين الأموات والعنصرة المسيحية الأولى،

يجتمع رسل الكنيسة مع مريم لينتظروا معها عطية الروح القدس

الذي به وحده يمكنهم أن يكونوا شهوداً.

والعذراء مريم التي سبق وحلّ عليها الروح القدس كي تحمل وتلد الكلمة المتجسدة،

تشارك الكنيسة جمعاء حالة انتظار هذه العطية

كي "يُكوّن المسيح" (غل 4، 19) في قلب جميع المؤمنين.

فإن كان لا وجود للكنيسة من دون عنصرة،

فكذلك لا وجود للعنصرة من دون حضور أم يسوع،

لأنها اختبرت بطريقة فريدة ما تختبره الكنيسة كلّ يوم من خلال عمل الروح القدس.

ويعلق القديس كروماتيوس أسقف أكويلا على هذا الذكر للعذراء في أعمال الرسل قائلاً:

"تجتمع الكنيسة في العلية مع مريم أم يسوع مع إخوته.

فلا يمكننا إذاً الكلام عن الكنيسة إذا لم تكن مريم أم يسوع حاضرة مع إخوته فيها:

لأنّ كنيسة المسيح هي حيث يُبشَّر بتجسّد المسيح من العذراء،

وحيث لا نصغي إلى الإنجيل إلا حيثما يُبشِّر الرسل، إخوة الرب يسوع."

(راجع Sermo 30, 1 : SC 164, 135).

وقد أراد المجمع الفاتيكاني الثاني أن يشير بطريقة مميزة إلى هذا الرابط التي يتجلى بوضوح

من خلال صلاة الجماعة التي تجمع مريم بالرسل، في المكان نفسه،

وبانتظار حلول الروح القدس.

وجاء في الدستور العقائدي "نور الأمم":

"لأنّ الله أراد ألا يظهر خلاص البشر علناً إلا عند حلول الروح القدس الذي وعد به المسيح،

نرى أنّ الرسل قبل العنصرة " كانوا يواظبون جميعاً على الصلاة بقلب واحد،

مع بعض النسوة ومريم أم يسوع ومع إخوته" (أع 1، 14)؛

ونرى كذلك مريم العذراء تستدعي أيضاً في صلواتها حلول الروح القدس

الذي ظلّلها عند البشارة". (رقم 59).

والمكان المفضّل بالنسبة إلى العذراء مريم هو الكنيسة،

حيث "يُشاد بها كعضو بارز وفائق في التميّز والفرادة...،

وكمثال ونموذج رائعَين تحتذي بهما الكنيسة في الإيمان والمحبة" (ibid., n. 53)".

لذا فإنّ تكريم أم يسوع في الكنيسة يعني أن نتعلّم منها أن نكون جماعة مصلية:

فالصلاة هي إحدى الميزات الأساسية الني نصف فيها بصورة أولية الجماعة المسيحية

التي بدأت تتجلى في أعمال الرسل (راجع أع 2، 42).

كثيراً ما تُملى علينا الصلاة في الأوقات الصعبة،

وفي مواجهة المشاكل الشخصية التي تدفعنا إلى أن نلتفت نحو الرب

لنستمد منه النور والعون والتعزية.

ومريم العذراء تدعو إلى توسيع نطاق الصلاة بحيث نلجأ إلى الله

ليست بدافع الضرورة أو من أجل ذواتنا فحسب،

بل بحماسة جَماعية ومثابِرة وأمينة بقلب واحد ونفس واحدة" (راجع أع 4، 32).

أصدقائي الأعزاء،

تجتاز الحياة البشرية مراحل غالباً ما تكون صعبة وحرجة

تستلزم اتخاذ خيارات لا مفرّ منها، وتقديم التنازلات والتضحيات.

ولقد وضع الرب مريم أم يسوع في لحظات مصيرية في تاريخ الخلاص،

وقد تمكنت العذراء دائماً من الاستجابة بجهوزية تامة لمشروع الله

بفضل رابط عميق بالرب نضج بفضل الصلاة المكثفة والمستمرة.

وبين الجمعة العظيمة وأحد القيامة، ائتمن يسوع أمّه على التلميذ الحبيب،

ومعه كلّ جماعة التلاميذ (راجع يو 19، 26).

وبين الصعود والعنصرة،

وجدت مريم العذراء نفسها مع الكنيسة وفيها من خلال الصلاة (راجع أع 1، 14).

فمريم العذراء، أم الله وأم الكنيسة، تعيش أمومتها حتى آخر الزمن.

فلنأتمنها على مراحل حياتنا الشخصية والكنسية،

ومنها مرحلة عبورنا عتبة الموت في الرحلة الأخيرة.

فمريم تعلمنا ضرورة الصلاة

وترينا بأنّه فقط من خلال إنشاء رابط ثابت وشخصي ومليء بالحب مع ابنها،

سنتمكن من أن نخرج من "ذواتنا" وأنفسنا بشجاعة،

ونذهب حتى أقاصي الأرض

معلنين في كل مكان بشارة المسيح ربنا مخلص العالم.

وشكراً.

الاسم الكامل :
مكان الاقامة :
التعليق :
هام جدا : ادارة الموقع تحتفظ لنفسها الحق لالغاء التعليق او حذف بعض الكلمات منه في حال كانت المشاركة غير اخلاقية ولا تتماشى مع شروط الاستعمال. نرجو منكم الحفاظ على مستوى مشاركة رفيع.
تصويت
Copyright © dmgmorg.net 2012-2017 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع دير الملاك جبرائيل
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت