آيات من الكتاب
أَنَا أَنَا الرَّبُّ، وَلَيْسَ غَيْرِي مُخَلِّصٌ | أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ |
19/02/2013 - 10:13:57 pm
مدرسة القرية
جابر نصّار

مدرسة القرية

كان في المجيدل عندما أخذت أعي ما حولي مدرسة مختلطة في دير اللاتين تشرف عليها راهبات (الفرنسيسكانيات لقلب مريم الطاهر)، وقد كانت أقرب الى روضة أطفال منها إلى مدرسة عادية، وكنت أنا واخوتي وأخواتي من طلابها، ولم تلبث حكومة الانتداب بعد أن استتبّت الأمور لها في البلاد أن افتتحت مدرسة لصبيان القرية في غرفتين تقعان في المشارف الغربية الجنوبية للقرية وقد كانتا "كتابا" في العهد العثماني، ولم يكن التعليم الزاميا لذلك لم ينتسب الى تلك المدرسة أكقر من 60 طالبا تنتظم في صفوق ثلاث، الصف الأول في غرفة والصف الثاني والثالث في الغرفة الأخرى، ويتولى التعليم فيها معلمان إثنان هما عبدالله وسليم، وكان المدير عبدالله في العقد الخامس من عمره وهو مسلم من مدينة عكا ويظهر أن امرأته لم تكن ترتضي العيش معه في القرية، لذلك كان يعيش وحيدا ولفترة كان ينام في أحدى غرف التدريس. وكان سليم شابا مسيحيا في العقد الثالث من عمره وهو من بلدة الرامة في الجليل الغربي، استأجر بيتا وجاء بامرأته لتعيش وإياه حيث يعمل.

وكانت للمعلمين آنذاك هيبة، "العصا لمن عصى"، والضرب على القدمين "فلقة" على الطريقة التركيّة كان مسلما به ولا يثير استهجانا ولا استغرابا، وكنا نخشى أن نتواحد في شارع يمر به أحد هذين المعلمين، وكان من عادة عبدالله أن يتنحنح بين الحين والآخر حتى وهو يسير في الشارع، وكانت نحنحة منه كافية ليخلو ذلك الشارع من الأولاد في مثل لمح البصر.

وكانت فلقات سليم مشهورة، وكنت أنا من القلائل الذين نجوا منها، ولا أذكر أنني تعرضت لمثل هذا العقاب طيلة السنوات الثلاث التي أمضيتها في تلك المدرسة.

أما أخي الياس فقد كان له فيها نصيب الأسد، وكان المعلم سليم في مطلع الحصّة يسأل الطلاب عن من منهم لا يحفظ درسه، ومَن يخرج من نفسِه يأكل الفلقة المعهودة بحدود ثلاث عُصِي، أما من يتعثر أو "يتأتئ" في القراءة ففلقته مضاعفة أي ست عُصِي على الأقل، وكنت أجهد نفسي لكي أجعل أخي الياس يحفظ درسه ويتجنب عقاب الفلقة فأدرسه في البيت إلى أن يصبح قادرا على القراءة الجيدة، لكنه في الصف كان على رأس قائمة المرشحين للعقاب، وكأني به كان مضبوعا من المعلم، يتلعثم بقراءة الدرس الذي أتقن قراءته أمامي في البيت، ولذلك كان يفضل أن يختصر الطريق ليكون من الذين ينالون العُصِي الثلاثة بدلا من الستة.

وكان من عادة المعلم عبدالله أن يحتجز عددا من الطلاب كل يوم خلال فسحة الغذاء بحجّة تقويتهم في دروسهم، ويرسل ثلاثة أو أربعة من الطلاب إلى ذوي الآخرين لإحضار غذاء لهم، وكان مألوفا أن ترى الواحد من هؤلاء وهو يحمل بين يديه وعلى صدره عددا من "الغداءات" التي أرسلتها الأمهات لأبنائهن، تاركا بقعا من الزيت "تزين" ملابسه، وكانت هذه ترسل رغيفا مدهونا باللبنه وتلك رغيفا مع بيضة مقليّة، وأخرى رغيفا مع قرص عجّة وهكذا... وقبل أن يصل الطعام إلى الولد المعني بالأمر يكون المعلم قد "جمركه" وأخذ قليلا منه لنفسه.

وكنا أي الطلاب، إذا أردنا أن نتملص من أحد الدروس ذات نهار يعمد أحدنا إلى الهرب من الطابور خلال عرض الصباح، فيخف ثلاثة أو أربعة مِنا وراءه جريا لاحضاره إلى المدرسة ولو بالقوّة، لكننا كنا لا نعود إلا وقد أوشك النهار المدرسي على نهايته، وكنا نعود لنعتذر للمعلم بأننا لم نستطع اللحاق به، وكان التدريس في الصف طبعا يتوقف إلى أن يعود هؤلاء إليه، وهكذا كانت تضيع علينا معظم حصص ذلك النهار.

وأذكر يوما أن زار المدرسة أحد المفتشين وكنت أنا من المبرزين في الصف الثالث وهو نهاية صفوف المدرسة، وقد اختبرنا المفتش في مادة الحساب، وكان يكتب المسألة على اللوح  الأسود وينتظر حتى يقوم الطلاب بحلها على ألواح الحجر التي بحوزة كل مكنهم، وكنت أنا أقدم الحل خلال دقيقتين على الأكثر وتمر دقائق بعدي قبل أن يبدأ الباقون بعرض حلولهم، فأعجب بي وترك ملاحظة في سجل ضيوف المدرسة يتمنى لي بها أن يتسنى لي أن أواصل دراستي. ولكن هيهات! وكنت أظن أن السنة الدراسيّة 31/1932 ستكون آخر عهدي بالمدرسة، وقد بقيت فعلا للسنة 32/ 1933 بدون مدرسة وكنت أساعد في الأعمال الزراعية في الحقل سيما وقد بدأت أعراض المرض والشيخوخة تظهر على والدي.

(عن كتاب "للذكرى والتاريخ" لجابر نصّار - صفحة 81)

 

الاسم الكامل :
مكان الاقامة :
التعليق :
هام جدا : ادارة الموقع تحتفظ لنفسها الحق لالغاء التعليق او حذف بعض الكلمات منه في حال كانت المشاركة غير اخلاقية ولا تتماشى مع شروط الاستعمال. نرجو منكم الحفاظ على مستوى مشاركة رفيع.
تصويت
Copyright © dmgmorg.net 2012-2017 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع دير الملاك جبرائيل
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت